محمد حسين الذهبي
324
التفسير والمفسرون
إصبع ، والثرى على إصبع ، وسائر الخلق على إصبع ، ثم يهزهن فيقول : أنا الملك ، فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تعجبا مما قال ، وأنزل اللّه الآية تصديقا له . قال جار اللّه : وإنما ضحك أفصح العرب وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ، ولا إصبع ، ولا هز ، ولا شئ من ذلك . ولكن فهمه وقع أول شئ وآخره على الزبدة والخلاصة ، التي هي الدلالة على القدرة الباهرة . وأن الأفعال العظام التي لا تكتنهها الأوهام هينة عليه . . . ثم ذكر كلاما آخر طويلا ، واعترض عليه الإمام فخر الدين الرازي : بأن هذا الكلام الطويل لا طائل تحته ؛ لأنه هل يسلم أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته أم لا ؟ وعلى الثاني يلزم خروج القرآن بكليته عن كونه حجة ؛ فإن لكل أحد حينئذ أن يؤول الآية بما يشاء ، وعلى الأول - وهو الذي عليه الجمهور - يلزم بيان أنه لا يمكن حمل اللفظ الفلاني على معناه الحقيقي لتعين المصير إلى التأويل ، ثم إن كان هناك مجازان وجب إقامة الدليل على تعيين أحدهما ، ففي هذه الصورة لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الجوارح ، إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع الأعضاء والجوارح للّه تعالى ، فوجب المصير إلى التأويل صونا للنص عن التعطيل ، ولا تأويل إلا أن يقال المراد كونها تحت تدبيره وتسخيره ، كما يقال فلان في قبضة فلان ، وقال تعالى ( وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) « 1 » ويقال هذه الدار في يد فلان ويمينه ، وفلان صاحب اليد . . وأنا أقول : هذا الذي ذكره الإمام طريق أصولي ، والذي ذكره جار اللّه طريق بيانى . وإنهم يحيلون كثيرا من المسائل إلى الذوق فلا منافاة بينهما ، ولا يرد اعتراض الإمام وتشنيعه ، وقد مر لنا في هذا الكتاب الأصل الذي كان يعمل به السلف في باب المتشابهات في مواضع ، فتذكر » اه « 2 » .
--> ( 1 ) في الآية ( 50 ) من سورة الأحزاب . ( 2 ) ج 24 ص 17 - 18